عمان ودمشق: تبادل أم «تقاسم» فائض الكهرباء والمياه؟

عمان ـ «القدس العربي»: وجّه الرئيس السوري أحمد الشرع وزير خارجيته أسعد الشيباني علنا بـ«تقاسم المياه السورية مع الشعب الأردني».
ذلك النبأ لا يمكن قراءته إلا في سياق رسالة جيوسياسية عميقة جدا تتجاوز السياق الخدماتي والعلاقات الثنائية في اتجاه تكريس واقع تحالفي مستجد.
الحكومة الأردنية لم تعلق على تلك المعلومة بعنوان تقاسم المياه بين الشعبين، خصوصا وأن المسألة هنا أكبر بكثير من الاتفاق على بروتوكول طالما انتظره الأردنيون للحصول على حصتهم في مياه حوض نهر اليرموك.
وسابقا حجب النظام السوري المخلوع حصة الأردن في مياه اليرموك، وتلك كانت بين القضايا الخلافية الأساسية معه.
غير أن البوصلة الاستراتيجية في التوجيه السوري لا تتحدث حصرا عن تفعيل بروتوكول تقاسم المياه مع الأردن حصرا من نهر اليرموك الذي دخل في حالة جفاف عدة مرات في السنوات السبع الأخيرة.
الإيحاء السوري إطلاق حزمة من العلاقات الاستراتيجية الحيوية تتجاوز بصورة حصرية مخطط الكيان الإسرائيلي الواضح للبلدين في ملف مصادر المياه تحديدا.
خبير المياه والمفاوضات الأردني دريد المحاسنة كان قد أبلغ « القدس العربي» سابقا بأن التصعيد الإسرائيلي العسكري في لبنان وسوريا له أهداف خبيثة متعددة، لكن أهمها السيطرة على مصادر المياه في محيط فلسطين المحتلة.
الانطباع مبكر وسط خبراء أردنيين أبرزهم المحاسنة بأن تلك السيطرة إحدى أبرز وسائل إسرائيل في الابتزاز السياسي المباشر لدول المنطقة وشعوبها ضمن مشروعها الخاص بالهيمنة والإخضاع، وهو مشروع كان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي قد حذر منه علنا في اجتماعات عربية.
ولعل ملف المياه في سوريا ولبنان ثم في الأردن هو إحدى أذرع اليمين الإسرائيلي المتطرف التي تستعمل فيما يسميها الفريق الركن المتقاعد الجنرال قاصد محمود بخطة إسرائيل لمحاصرة الأردن جيوسياسيا وابتزاز الدولة الأردنية سياسيا واقتصاديا عبر محاصرة مصالحها في لبنان وسوريا وأيضا في العراق ودوما في الضفة الغربية. الإسرائيلي مخططه واضح في كل حال برأي الجنرال محمود كما سمعته «القدس العربي»، وهو ضغوط مفصلية على القرار الأردني لشرعنه مشروع الحسم اليميني الإسرائيلي للصراع ثم ضم الضفة الغربية والأغوار ولاحقا التهجير.
ذلك المخطط الابتزازي شعرت به عمان مبكرا قبل نحو خمسة أشهر عندما قرر بنيامين نتنياهو عدم التوقيع على تجديد بروتوكول خاص ملحق باتفاقية وادي عربة يزود بموجبه الكيان الأردني بحصة مائية سنوية وبثمنها المالي وليست مجانا.
قطع نتنياهو حصة المياه التي تبلغ نحو 5 ٪ من احتياجات الأردن، وأعلن وزير المياه الأردني آنذاك رائد أبو السعود أن طاقمه بدأ البحث عن بدائل.
والمعنى هنا أن القرار البيروقراطي الأردني حتى قبل أجواء الحرب ضد إيران كان تجنب أي خضوع لابتزاز نتنياهو في ملف المياه وهو ما حصل أيضا عندما قطع نتنياهو خلال الحرب مع إيران الغاز عن الأردنيين بالرغم من استفادة الكيان الخاصة من نشاط الأردن الدفاعي ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
لذلك يمكن القول إن التوجه السوري الخاص لتقاسم المياه مع الأردن حتى وإن لم ينفذ على أرض الواقع بسبب الجفاف أو الصعوبات اللوجستية هو بمثابة إعلان سياسي من دمشق يظهر مستويات متقدمة من التضامن المائي مع الأردن. الخبراء هنا يمكنهم توفير الوسائل لتغطية الحصة الأردنية من المياه السورية وبصيغة تعزز استقلالية الأمن المائي الأردني ولو قليلا وترجمة مقولة أبو السعود عن البحث في البدائل.
ما يقوله ذلك الإعلان السياسي الدبلوماسي السوري هو أن دمشق التي يتوفر لديها فائض مائي في كل حال في طريقها لتعزيز الحصة المياه الأردنية التي حجبها نظام الأسد في الماضي بالحد الأدنى وفي مواجهة نتنياهو وخططه ومحاولات الابتزاز التي يرعاها مناكفة للأردن في كل الملفات الفلسطينية.
الأهم في البعد السياسي قد يكون سلسلة الاتفاقيات والتفاهمات والبروتوكولات التي وقعت على هامش اجتماعات المجلس التنسيقي الأعلى بين البلدين في عمان أمس الأول.
وتطال قطاعات النقل والمياه والطاقة والبنية التحتية حيث أبلغ رئيس وزراء الأردن الدكتور جعفر حسان الوفد السوري الرفيع بأن بلاده جاهزة لإطلاق تحول استراتيجي في التعاون مع سورية في المجالات المشار إليها.
قبل ذلك استقبل القصر الملكي الوفد السوري ودخلت لجان أمنية ثنائية في المجال الحيوي برعاية القصرين من عمان ودمشق.
وأيضا وضع مجلس وزراء الأردن مناولات ميناء العقبة في خدمة الجار السوري عندما يحتاجها وبدأت بروتوكولات القطاع التجاري والبحري تخاطب إمكانية الاستيراد والتصدير عبر ميناءي اللاذقية وطرطوس في المقابل.
لا يخفى على المراقبين أن مستويات التنسيق استثنائية بين عمان ودمشق في ملف الجنوب السوري وتحديدا محور السويداء ـ درعا.
الأردن يحاول بشراكة السوريين اصطياد عدة عصافير بحجر واحد، حيث عيون عمان على شراكات مبرمجة استراتيجية الطابع في سياق السكك الحديدية والنقل البري واللوجستيات والتبادل الزراعي، مقابل تأمين النفط والمحروقات للجانب السوري عند الحاجة خلافا لعودة البحث في تأهيل البنية التحتية لضخ الكهرباء إلى سوريا. فائض الكهرباء الأردنية قد يعادل فائض المياه السورية.
وخبرات الأردن في إعادة الأعمار وتأهيل بنية الخدمات التحتية متاحة لدمشق، والتبادل التجاري يمضي بندية بين الجانبين والمظلة الأمنية والعسكرية تعكس روح الرغبة في التعاون.
عمان مهتمة جدا بتفاهمات مفصلية في منطقة الجنوب السوري تخلي تلك المنطقة من أي ذرائع يمكن لإسرائيل استعمالها بما في ذلك التصدي الثنائي لسيناريو انقسام المكون الدرزي في السويداء تحديدا.
وفي المقابل تخطط عمان لمساعدة الرئيس أحمد الشرع في واحتواء المحاولات الأمريكية والإسرائيلية التي تضغط لتأسيس انزلاق سوري في اتجاه الصراع اللبناني.
لكل تلك الأسباب يمكن القول بأن معادلة التبادل في الطاقة والمياه أقرب فعلا إلى إعلان سياسي إذا ما كانت توجيهات الرئيس الشرع جادة والمؤسسات السورية الحالية قادرة على تنفيذها.
