بعد تنازلات الحاكمية القانونية لإسلاميي الأردن: استمرار «الشيطنة والتشكيك»… «ما هو المطلوب من التيار؟»

عمان ـ «القدس العربي»: المشاغلات التي ترصد مجددا وبسرعة في الساحة الأردنية ضد الحركة الإسلامية بعد استجابتها في ملف تغيير اسم الحزب، من الصعب فهمها حتى الآن، وتبدو خارج سياق التقليد المسموح به منذ أكثر من عامين ونصف العام، بعنوان «شيطنة» الحركة والإصرار على إزعاجها ومضايقتها.
لا أحد في الساحة السياسية والإعلامية يفهم بعد ما هو المطلوب من التيار الإسلامي بصورة محددة.
المداخلة الإعلامية الأخيرة لأمين عام حزب جبهة «العمل الإسلامي» سابقا المهندس وائل السقا، تعكس ذلك الاستفسار عن الإحباط المطلوب إنتاجه ضد الإسلاميين من جهة المشككين الذين يفترض العامة أنهم يمثلون الموقف الرسمي أو يعكسونه.
السقا شكك بالمشككين. لكن الأهم في بعض الحوارات الصاخبة التي أعقبت قرار المؤتمر العام للحزب تغيير الاسم إلى «حزب الأمة» قد يكون تتبع تلك المشاغلات والمناكفات ليس في باب جذرها وخلفيتها، ولكن من زاوية وظيفتها وأجندتها.
ويسأل الإسلاميون سرا وعلنا: ما الذي تريده الدولة منا بصورة محددة بعد سلسلة من الاستجابات للشروط والقيود؟
لا أحد في الواقع لا في صفوف الإسلاميين، ولا في الأوساط التي تشاغلهم وتعارضهم قدم إجابة واضحة على ذلك السؤال المحوري.
السبب المرجح، وفقا للمحلل السياسي مروان الفاعوري، هو أن ملف الموقف من التيار لا يعالج انطلاقا من زاوية منصفة بقدر ما يخضع لمعالجة سطحية لا تجيب على الأسئلة الأعمق.
قناعة الفاعوري راسخة كما تفهم «القدس العربي» منه بأن المقاربة الوطنية هي المحكم وإغلاق ملف الخلاف والتجاذب بإرادة وغطاء سياسي هو الجوهر ودون ذلك آثار سلبية لتيارت تعاكس المصلحة الوطنية ومعالجات انفعالية غامضة الأهداف يمكن رصدها تحت عنوان البحث عن الطرف المستفيد من استراتيجية تأزيم في مشهد داخلي.
يعلم الإسلاميون مسبقا بأن المشاغلات التي تتبعتهم وأرهقتهم بذريعة قانون الأحزاب ومعايير الحاكمية القانونية جذورها في الأصل سياسية وليست حزبية أو قانونية.
ويقدر الإسلاميون دوما بأن المطلوب أساسا من أجندات خارجية تتفاعل معها للأسف طروحات متشنجة محليا وأحيانا أصوات ناشزة ثأرية رأس المقاومة الفلسطينية، بمعنى مطاردة الحواضن الاجتماعية التي تدعم المقاومة الفلسطينية.
تنبأ في ذلك مبكرا الناشط الحقوقي عاصم العمري، عندما أبلغ «القدس العربي» عدة مرات بأن سعي الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الأوساط الغربية يستهدف تعبيرات الإسلام السياسي لأغراض تخدم اليمين الإسرائيلي حصرا، فيما تبلورت هذه المقترحات بعد الصمود الإعجازي لأهل قطاع غزة ومواجهة المقاومة الفلسطينية للاحتلال.
لذلك ثمة من يعتقد بوجود خلفيات غير أردنية تتطلب البقاء في حالة توتير وتأزيم مع الإسلاميين في الساحة المحلية.
وما طالب به العمري تحديدا الانتباه والحذر لأن الأجندات المغرضة خارجيا قد تميل إلى المجازفة بمصالح ومعادلات الاستقرار العام في الأردن وبصيغة لا تقدر الانعكاسات والمخاطر، فيما المؤسسات الرسمية العميقة تعلم ذلك ويتوجب أن تركز أكثر على التوازن بعيدا عن توتير وتغذية تجاذبات المجتمع وطنيا.
هذا المستوى من التعقيد هو الذي يعيد طرح تساؤلات، من بينها تلك التي أعقبت سلسلة استجابات صنفت بأنها «كبيرة وذكية ومسيسة» من قبل الحركة الإسلامية في تفهم دوافع الدولة وشروط التعايش والتكيف مع الوقائع الموضوعية.
استجابتان كبيرتان سجلتا اعتبارا من السبت الماضي من جهة المؤتمر العام لحزب الإسلاميين الموصوف بأنه وريث لجمعية «الإخوان المسلمين» المحظورة.
الاستجابة الأولى بتغيير الاسم إلى «حزب الأمة» نزولا عند مذكرة اشترطت الالتزام بعدم وجود رموز دينية أرسلتها الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات.
والاستجابة الثانية أوسع نطاقا، وقد طالت إقرار تعديلات على النظام الأساسي لحزب الأمة الجديد من حيث النصوص والتحديثات استجابة لاشتراطات ومذكرات الهيئة المشرفة على سجلات الأحزاب.
في التفاصيل مطلوب «محكمة حزبية» مرتبطة بمراقبة سجلات الأحزاب واعتماد قوائم منقحة لأعضاء الحزب، وتجنب «المدرسة الإخوانية» في الشورى واللائحة الداخلية.
تصرف الإسلامين بذكاء في الاستجابة وتقديم التنازل القانوني المطلوب، لكن الهيئة المختصة قد ترسل لهم المزيد من «ملاحظات التصويب».
بعد الاستجابات، وعلى مدار يومين على الأقل برزت حالة نشاط تخطط للاستمرار في التشكيك وملاحقة حزب «الأمة» الجديد واعتراضات وتجاذبات تحاول الإيحاء بأن الاستجابات القانونية والنظامية لن تعقبها مكافأة من أي صنف من جهة السلطات والمؤسسات الرسمية.
ذلك الخطاب المضاد للإسلاميين بعد تنازلاتهم الذكية لا يخدم أجواء الاستقرار الحزبي والمصالحات الوطنية، لا بل لا يخدم إلا الجناح الصقوري المتشدد داخل صفوف الإسلاميين والذي يقدر مسبقا بأن حالة نكران وجحود ستقابل تلك التنازلات الجوهرية. ذلك عملياً، تعبير عن تراكم جديد في حوارات صاخبة داخل التيار الإسلامي لا تستفيد منه مناخات الخضوع والامتثال القانوني.
والدلالة على ذلك بدأت مع إشارة مبكرة إثر الإعلان عن اسم «حزب الأمة» الجديد تمتدح ذكاء الاختيار وانتقاء الاسم من قبل قطاع واسع من النشطاء والخبراء غير الإسلاميين.
والدلالة الثانية تلك التي تبرزها مشاغلات التشكيك بالاسم وخلفيته والحزب وتياراته مجددا رغم الإمتثالات لما طولب به التيار رسميا.
في المقابل الموقف الرسمي لا يعالج ذلك الخلل في ردود الفعل وجناح التحريض والتأزيم استمر في العزف على أوتاره، الأمر الذي يعيد النقاشات العامة إلى المربع الذي غمز من قناته الشيخ وائل السقا بعنوان سؤال هائم : ما هو المطلوب منا بشكل واضح؟
