الأردن «حديقة وسط حريقة»: هل ينتج عن «سكك الحديد» فراغ «ديموغرافي» في الأغوار؟

رصدت كاميرا التلفزيون الأردني الحكومي، وهي تفرد مساحة التغطية لمداولات البرلمان عضو مجلس النواب الإسلامي أحمد قطاونة، وهو يصرخ متأملا من الزملاء في المجلس الكريم الانتباه وبحرص لما قاله خبير عسكري أردني هو العميد المتقاعد محمد المقابلة عن أخطار ديموغرافية تنتج عن استملاكات الأراضي في منطقة الأغوار لأغراض مشاريع السكك الحديدية.
مداخلة قطاونة، كادت أن تفلت من التغطية التلفزيونية، لكنه صاح في حماس، مقترحا على الزملاء الإصغاء لما يقوله العقيد المتقاعد علنا، لأن بعض المشاريع ذات الصلة في استملاكات الأراضي والعقارات قد يستفيد منها العدو الإسرائيلي.
الرجل صرخ: العدو الإسرائيلي أقام منطقة عازلة في لبنان وأخرى في جنوب سوريا، ما الذي يردعه من التفكير في إقامة منطقة عازلة أخرى على الحدود مع المملكة؟!
طبعا انتبه النواب وتجاهلوا زميلهم قطاونة.
الأغوار «الديموغرافيا»
لكن عملية «حفر» بدأت بالتوازي، بعد ظهور «سيدة مزارعة» على شاشة فضائية «رؤيا»، وهي تعرض «خريطة سكك القطارات» في محاذاة حدود فلسطين المحتلة، ثم تقول بحدية أمام الكاميرا «هذه مزارعنا وأراضينا، ولا نريد لا استملاكها، ولا التعويض عنها».
الحفر هنا وصل إلى نتيجة فقد استضافت محطة إذاعة متلفزة هي «حسنى» العقيد محمد المقابلة، وتقدم الرجل برأي فني خبير أثار الانتباه.
المقابلة، كان يلفت النظر إلى جزئية في غاية الأهمية، وهي أن مناطق الأغوار الحدودية مع العدو الإسرائيلي تعاني من نقص كبير في الديموغرافيا السكانية والعدو قد يستفيد من ذلك مستقبلا، إذا ما قرر التوسع العدواني في اتجاه شرق الأردن، حيث قد لا يجد تجمعات سكانية تعيقه، وتدافع عن الحدود والأرض.
العميد عسكري تقني متقاعد يتحدث بلباقة وتستضيفه فضائية «الحدث» بين الحين والآخر، ولا علاقة له بأي خطاب حزبي.
رغم ذلك عبر مايكروفون «إذاعة حسنى» بق الرجل البحصة على الطريقة السورية مقترحا: استملاكات السكك الحديدية في الأغوار على أكتاف الحدود مع فلسطين المحتلة ستؤدي إلى «إفراغ ديموغرافي» في منطقة تشكو من قلة السكان، فيما يتطلب الأمن القومي حصول العكس.
تلك – وهذا ما استنتجه قطاونة – عمليا وصفة سريعة تخدم منطق إسرائيل في تفريغ الأغوار، وبالتالي التخطيط لمنطقة عازلة.
ما اقترحه الضابط المتقاعد على الدولة والجمهور معا هو العمل على تشكيل وجود ديموغرافي على أكتاف الحدود مع فلسطين المحتلة.
لذلك على الأرجح الكاميرا الخاصة التي ترافق نشاط نواب حزب الأمة رافقت النائب ديمة طهبوب وزملاء لها في رحلة خاصة في منطقة الأغوار على أمل الإصغاء لما يشتكي منه المواطنون الفقراء بعد شرعنة استملاك الأراضي لأغراض سكة الحديد.
حتى لا تستفيد إسرائيل
على جبهة موازية برز صوت آخر هو الخبير الاقتصادي إبراهيم خصاونة، الذي وصف مشروع السكة الحديد الرباعي بأنه مشروع إسرائيلي بامتياز، يربط في النهاية دول الخليج العربي بسواحل فلسطين المحتلة عبر الأردن.
الخصاونة أيضا لا علاقة له بـ»الإخوان المسلمين» بتوع مرحلة ما قبل الحظر، ومن حذر من مخاطر الاستملاك ليس الشيخ قطاونة، بل ضابط متقاعد إطلالاته التلفزيونية تميزت بمصداقية طوال ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول المجيد.
عمليا لا يمكن التسليم بما ذكره المقابلة والخصاونة هنا.
ولا يمكن تبني خطاب «فني» يقترح غفلة الدولة وتوقفها عن الحذر.
لكن المطروح يستحق النقاش والرد عليه. هذا حصرا واجب قناة «المملكة»، وهي تفرد مساحة بث واسعة لفعاليات النواب، حيث تستطيع القناة استضافة الخبراء من شريحتي «مع وضد»، وتقديم مادة علمية دسمة بدون تصفيق ومناكفة أو مبالغة أو تهويل.
لا بد من وضع بعض النقاط على أحرف قانون «الملكية العقارية» الجديد.
رقعة الاشتباه والارتياب زادت، ولا بد من التحاور تجنبا للشطط في التحليلات، وأمام الجمهور، ويمكن مبكرا التقدم باقتراح للحكومة أن تبادر للتحدث مع الشعب حتى لا يغرق الرأي العام في الاستنتاجات الضالة أو المضللة.
تجنبا للقراءات الخاطئة لابد من تحاور وطني علني، حتى يفهم المواطن أن مشروع السكك الحديدية واستملاك الأراضي اقتصادي استثماري وطني، ويخلو من شبهة التطبيع مع الإسرائيليين أو من أوهام السلام، التي عانى منها الأردنيون لأكثر من ثلاثة عقود.
«حديقة وسط حريقة»
حتى يستفيد الجميع من الأجوبة على الأسئلة العالقة يمكن تأمل عبارة مهمة قالها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور بشر الخصاونة عبر برنامج «بودكاست» خاص يتبع شبكة الشرق التلفزيونية نهاية الأسبوع الماضي.
الرجل وصف الأردن بـ»حديقة وسط حريقة» في الاقليم.
نقف مع هذه العبارة بكل احترام ولا نعارضها. لكن بقاء الأردن حديقة مزهرة وسط حرائق الإقليم، يتطلب في الواقع مقاربات حكومية من صنف مختلف ويعيدنا إلى المربع الأول، الذي سبق أن طالبنا به.
هذه الحديقة لها أصحاب يسهرون على راحتها ونظافتها وبقائها مزدهرة. هؤلاء لا أحد في هياكل السلطة والحكومة معها يتحدث معهم.
