اراء و مقالات

طهران ـ عمّان و«جدل التعويضات»: الاتصالات «مقطوعة»!

عمان ـ «القدس العربي»: لا يمكن قراءة «المشاغلة الدبلوماسية» في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بين عمان وطهران ضمن نطاق مطالبة الطرفين جديا بتعويضات مالية جراء أضرار الحرب الأخيرة خارج السياق الذي يعيد إنتاج السؤال الأردني الوطني: «ما هي التداعيات والتحديات الإستراتيجية التي فرضتها الحرب الأخيرة على بلد مثل الأردن موقعه الجيوسياسي في غاية الحساسية؟».

مطالبة متبادلة

المطالبة المتبادلة بتعويضات برمجت في الأروقة الأممية على شكل مواجهة دبلوماسية قد لا يكون هدفها المعلن هو المقصود.
بقي الحوار هنا في نطاقات المشاغلة والرد المتبادل لكنه يوحي ضمنا بأن الاتصالات التي كانت نشطة جدا من الجانب الأردني حصرا قبل الحرب في محور عمان ـ طهران أصبحت «مقطوعة» مثل المياه التي قطعها الجانب الإسرائيلي عن الأردنيين قبل أشهر.
لا أحد يعلم بعد أين ذهبت تلك المجاملات السياسية والإعلامية التي استمرت لأكثر من عام بين عمان وطهران مرة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة. وأحيانا، على هامش اتصالات تشاورية لإعادة بناء الثقة بين وزيري الخارجية أيمن الصفدي وعباس عراقجي، فيما الأول كان أول وزير خارجية أردني يزور طهران منذ سنوات طويلة.
وكانت قد جرت أو نظمت اتصالات نشطة مع عراقجي قبل الحرب طبعا. كما جرت لقاءات مباشرة مع الرئيس مسعود بزشكيان.
لكن الحرب خلطت كل الأوراق وأفسدت في وقت مبكر حبال ود وحياد كانت عمان مهتمة بها مع طهران، خصوصا في ظل ترديد إيران تهمة استخدام الأراضي الأردنية في العمل العسكري الأمريكي ضدها.
ويقابلها إصرار الأردن رسميا ودبلوماسيا على نفي ذلك واتهام طهران بأنها توسع في نطاق العمليات الحربية لا بل تعتدى على الأردن والدول العربية الأخرى حربيا ودون مبررات.
جزئية المبررات لا تشرح بين العاصمتين بعدما أصبحتا في إطار التباعد والجفاء الدبلوماسي، لا بل تبادل تهمة الاعتداء. البعثتان الدبلوماسيتان الأردنية والإيرانية تبادلتا اتهامات أولا ثم طالبتا بتعويضات مالية.
طهران هي التي بدأت في طرق أبواب الإزعاج المالي عندما أودعت مذكرة في مجلس الأمن تطالب فيها 5 دول عربية بتعويضات مالية جراء الحرب وخسائرها من بينها الأردن. وردت عمان بمطالعة موازية تحدثت عن عشرات الصواريخ التي استهدفت البلاد، وتطالب بدورها بتعويضات مالية.
لا أحد يفترض لا في عمان ولا في طهران بأن الأمم المتحدة بصدد إلزام أي طرف بتعويض آخر ماديا. لكن الرد الأردني الفني والدبلوماسي جاء من باب المشاغلة على الأرجح ليس أكثر فيما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة هي التي يجري حولها النقاش.
ولعل الأزمة بين عمان وطهران أعمق كثيرا. العاصمة الاردنية طوال 40 يوما في الحرب الأخيرة، انتقدت الحرب ودعت إلى خفض التصعيد والحوار الدبلوماسي التفاوضي، فيما لم يصدر عن الخارجية الأردنية ولا عن نظيراتها العربية بيان واضح يستنكر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران. والسبب لا يحتاج للتكهن حيث طبيعة العلاقات الدفاعية الأمريكية مع الدول العربية تمنع صدور نقد مباشر يطالب به الإيرانيون لحرب فرضها الإسرائيليون على الأمريكيين وعلى الجميع.
بقيت عمان سياسيا ودبلوماسيا وعملياتيا تمشي في حقل ألغام 40 يوما من الحرب. ولا مصلحة لها إطلاقا في استمرار العدوان الأمريكي الإسرائيلي وفقا لما قاله السياسي والبرلماني ممدوح العبادي لـ«القدس العربي» مجددا بأن مصلحة الأمن القومي العربي والأردني تتطلب ألا تهزم إيران أو تحيد في هذه المواجهة مقابل ما أسماه بدقة التصويب الإيراني.
لاحظ الجميع أن الطاقم القانوني للخارجية الأردنية لا يحاجج ولا يناقش في مسار العمليات أثناء الحرب. لكن مستوى النقد الشعبي الأردني والرسمي توسع جدا بعد مشاهدة صواريخ ومسيرات إيرانية تستهدف الأردن، بعض المنشآت الحساسة، فقد زاد هنا مستوى تصنيف السلوك الإيراني باعتباره عدوان مباشر.
خلف الستائر يتبادل الإيرانيون والأردنيون الاتهامات في المسار العملياتي.
النقاشات التي دارت أمس الأول في أروقة الأمم المتحدة وتبادل الشكاوى تعبير عن تفاعل أزمة صامتة بين العاصمتين عمان وطهران تخضع للمناكفة فقط بمطالب متبادلة عنوانها التعويض المالي، الأمر الذي يبقي الباب مواربا أو مفتوحا جزئيا لحوار مصالح لاحقا إذا ما استقرت الأمور وانتهت الحرب.

اتهامات بالجملة

في الواجهة الإعلامية وتحديدا الرسمية ثمة أقلام وتعبيرات أقل تحفظا من الموقف الرسمي الأردني المعلن والاتهامات بالجملة مع استعادة كل تراثيات طموح المشروع الفارسي.
وثمة من يتحدث عن وكلاء إيران في عمان أو عن خلايا إيرانية نائمة مما ينذر في كل حال بتبادل حملات إعلامية ويوحي بأن الجانب الأردني في الحد الأدنى يتحضر لمرحلة الخطوة التالية في تلك الحرب التي فرضت على الجميع إقليميا وبصرف النظر عن النهايات، خصوصا وأن جزئية التحالف الأردني مع الولايات المتحدة في السياسة على الأقل صلبة وثابتة ولا تشكل سرا أو لغزا في الواقع.
مستوى المخاوف وسط النخب الأردنية يتزايد مع ملامح تحولات بسيطة في الخطاب الرسمي والشعبوي تؤسس لتباين شديد في المسارات والبوصلة ووجهات النظر مع الإيرانيين بصيغة تستعيد كل الذكريات الحزينة عن «الهلال الشيعي» الذي يحاصر بلاد الشام.
وعن تطورات تضعف النظام الرسمي العربي بوضوح وتخدم في النتيجة والمحصلة مشاريع اليمين الإسرائيلي المتطرف من وجهة تنظر الدولة العميقة في الأردن.
الأيام والأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في مراقبة الارتفاع المرصود في مستويات تبادل الاتهام بين عمان وطهران.
لكن الجانب الأردني مهتم للغاية بقراءة تأثيرات وبصمات النفوذ الإيراني في 3 محاور إقليمية حساسة جدا من وجهة نظر الأردنيين تمثل ثلاثية المخاطر التي تبدأ من العراق وتتمركز في لبنان وقد تستهدف سوريا في الجوار.
الفصائل العراقية المسلحة حصرا تشكل الهاجس الأول في هذا الملف، والأردن دعم بقوة الدولة اللبنانية في مواجهة منطق المقاومة والعدوان الإسرائيلي معا، وإبعاد الإيرانيين عن سوريا الجديدة بقي دوما من جذور قواعد الاشتباك السياسي الأردني.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading