6 أشهر من دون برلمان في الأردن: لا “دورة صيفية” ولا انتخابات بلدية
الحكومة تكرر “سابقة برلمانية” للعام الثاني على التوالي حين تمتنع عن إسناد انعقاد دورة برلمانية صيفية، كما كان يقضي التقليد البرلماني منذ التحول الديمقراطي عام 1989

عمان ـ “القدس العربي”: لا أحد في المشهد السياسي الأردني يعرف بصورة محددة بعد ما هو سر حماس رئيس الوزراء، جعفر حسان، لاستبعاد سيناريو “دورة صيفية استثنائية” لسلطة التشريع في المواسم البرلمانية.
الحكومة تكرر “سابقة برلمانية” للعام الثاني على التوالي حين تمتنع عن إسناد انعقاد دورة برلمانية صيفية، كما كان يقضي التقليد البرلماني منذ التحول الديمقراطي عام 1989. ما يعني عامين من دون عقد دورة استثنائية للبرلمان وصيفا كاملا سياسيا من دون سلطة تشريع ورقابة. المفارقة أن ذلك يحصل فيما أجندة الحكومة التشريعية مزدحمة للغاية، والحاجة ملحة لتجاوز حالة العطلة البرلمانية الطويلة والتي تمتد لـ 6 أشهر على الأقل حيث تعقد الدورة العادية للبرلمان عادة قبل نهاية العام وتستمر لستة أشهر حتى شهر نيسان/ إبريل أي في مرحلة الربيع.
حل الدورة العادية الحالية اعتبارا من صباح أمس الأول الأحد بموجب إرادة ملكية، يرافقه شعور في البرلمان بأن السلطة التنفيذية تستبعد قصدا خيار الدورة الصيفية. ذلك لا يعني عمليا إلا أن رئيس الحكومة يفضل العمل باسترخاء بعيدا عن اجتماعات مجلس النواب والرقابة البرلمانية خلال أشهر الصيف، وهو يفعل ذلك للعام الثاني على التوالي خلافا للتقاليد. مؤشر الديناميكية التي تحكم الحكومة في هذا النمط من تجاوز التقاليد ضمنا هو ذلك الذي يؤشر على أن مجلس الوزراء لا يرغب في وجود المنافسين المراقبين المزعجين أحيانا خلال أشهر الصيف، ويرغب بالعمل في حالة استرخاء بعيدا عن ضجيج لجان البرلمان.
الحكومة تكرر “سابقة برلمانية” للعام الثاني على التوالي حين تمتنع عن إسناد انعقاد دورة برلمانية صيفية، كما كان يقضي التقليد البرلماني منذ التحول الديمقراطي عام 1989
لكن أهداف التفاعل بين السلطتين لا تحقق الانسجام المطلوب مع إجبار النواب على نحو 6 أشهر من البقاء من دون عمل، والمعنى من دون عمل تشريعي أو حتى رقابي. النواب عادة رغم أنهم يتلقون رواتبهم ومخصصاتهم المالية خلال الأشهر الستة، يتعاملون مع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي جزئية مرهقة لأي حكومة في المشهد.
إذا، حكومة حسان لا تريد دورة استثنائية صيفية وطارئة للبرلمان رغم أن بحوزتها حزمة من التشريعات والقوانين المهمة للغاية، وهي بذلك تجازف بتعطيل إقرار قانون الضمان الاجتماعي الذي أخفقت بتمريره خلال الدورة العادية المنتهية لسبب لا يزال مجهولا، مع أن الحكومة كانت تتحدث عن إقرار حماسي وسريع للقانون وقبل نهاية العام الحالي حرصا على مواجهة مخاطر إكتوارية تطال ملف التأمينات الاجتماعية. في ملف الضمان حصرا يسأل المتابعون: من أين حصلت الحكومة على ترف الوقت عندما قررت إرجاء النقاش قبل نحو 10 أيام فقط من انتهاء الدورة العادية الأخيرة؟ وما دامت إمكانية تأجيل ذلك القانون الشهير كانت واردة، لماذا طرحته الحكومة باستعجال؟
تبدلت أولويات التشريع هنا بصيغة لا جواب محدد عليها. وفي الأثناء تجازف الحكومة أيضاً، بإرجاء وتأجيل مناقشة قانون الإدارة المحلية، وهو من القوانين المهمة جدا بالنسبة للشارع الأردني. وزارة حسان لا تريد دورة استثنائية وتتجه نحو تأجيل انتخابات البلديات للعام الثاني على التوالي، في مفارقة لا يوجد ما يبررها بصيغة الطوارئ، ولا بالحسابات السياسية، خلافا لأن الحكومة ومن أجل تحقيق قدر من الاسترخاء في ظل عدم انعقاد دورة صيفية تجازف بقوانين أخرى مهمة بين يديها تحتاج لتفرغ السلطة التشريعية.
وتستبعد الحكومة سيناريو الدورة الاستثنائية رغم أنها في موقع التحكم الدستوري بجدول أعمال تلك الدورة، حيث اعتبرت مثل تلك الدورات المؤقتة لمدة 6 أسابيع أو 8 أسابيع خلال أشهر الصيف من المكاسب والأوراق التي تستثمر فيها الحكومة لتخفيف حالة الزحام التشريعي للقوانين التي تريدها في أرشيف الحكومة.
الارتجال التشريعي هو العنوان على الأرجح. وثمة أسباب سياسية مرجحة لهذه السياسة، قد يكون أهمها، أن الحكومة الحالية برأي العديد من النواب ومنهم عبد الناصر الخصاونة، لا ترى في مجلس النواب والسلطة التشريعية شريك حقيقيا، لا بل تنظر لسلطة التشريع في سياق المنافسة وأحيانا الخصام.
أجواء مكتب رئيس الوزراء أن الأخير راغب في الابتعاد لعدة أشهر عن ضجيج النواب والبرلمان والنقاشات الاستعراضية للكتل النيابية
أجواء مكتب رئيس الوزراء أن الأخير راغب في الابتعاد لعدة أشهر عن ضجيج النواب والبرلمان والنقاشات الاستعراضية للكتل النيابية. الهدف، إنجاز ما التزمت الحكومة به، بعيدا عن التشريعات فيما يخص الإصلاح الإداري أولاً، وتثبيت الرؤية المرجعية الملكية في المجال الاقتصادي خلافا للرغبة فيما يبدو للتفرغ لإنجاز وثائق ما يسميها حسان علنا بالمشاريع الاقتصادية الكبرى المعلنة. فكرة تلك المشاريع أن كلفتها تزيد عن 11 مليارا والعام الحالي 2026 هو عام العطاءات وتوقيع العقود. يبدو ذلك سببا مرجحا لكي تفكر الحكومة في العمل بعيدا عن أضواء وتدخلات أعضاء مجلس النواب.
لكن وزارة حسان في الأثناء لا تفسر بطريقة مقنعة أسباب رغبتها في تأجيل استحقاق الانتخابات البلدية لعامين جراء التمهل طبعا في إقرار قانون الإدارة المحلية، ولا تفسر فتور حماسها المفاجئ لعبور قانون الضمان الاجتماعي تحت عنوان الحفاظ على المركز المالي للمؤسسة الأخطر والأهم في مجال التأمينات والرواتب. الوقائع تشير إلى أن عودة قانون الضمان الاجتماعي، بنسخة معدلة من جهة الحكومة في الدورة العادية المقبلة بنفي صفة الاستعجال التي استخدمتها الحكومة في تخويف الأردنيين والنواب على مستقبل ومصير استثمارات الضمان الاجتماعي وخريطة التأمينات الإكتوارية . هذا التردد في الحسابات التشريعية والبرلمانية له مسوغات داخل الحكومة، لكنه مكلف بكل الأحوال ويشبه احيانا الارتجال التشريعي رغم أهدافه الأبعد والأعمق.
