«استعراضات» نتنياهو في أغوار الأردن
لا ملامح لعملية تعبئة وطنية في الاتجاه المضاد حتى بناء على شعار الدفاع عن الوطن الأردني وليس تحرير فلسطين أو دعم شعبها

وقف بنيامين نتنياهو مجددا في منطقة الأغوار قبالة أراضي المملكة الأردنية الهاشمية بدون فأس هذه المرة وبدون شتلة شجيرة صغيرة يزرعها.
آخر مرة قبل نحو 3 سنوات زار نتنياهو ذات الموقع وحمل فأسا وزرع شجرة صغيرة ثم صرح قائلا «هذه الأغوار والمناطق لنا… سنضمها قريبا».
في المشهد الثاني قبل أيام قليلة لا أشجار ولا خطاب زراعي، بل خطاب عسكري مباشر بامتياز وسط بعض الجنرالات يهدد ليس الأردن حصرا ولكن كل دول الجوار ويستلهم مجددا مقولة «الجبهة الشرقية» مهددا أعداء اسرائيل بالويل والثبور وعظائم الأمور متحدثا عن «منطقة أمنية».
لم تعلق الحكومة الأردنية على استعراضات نتنياهو. ولا تريد التعليق على خارطة إسرائيل الكبرى التي تضم حتى المناطق الأردنية الشرقية من الأغوار. وهي الخارطة ذاتها التي لا يزال يستعملها بتسلئيل سموتريتش في مراسلاته ومخاطباته ليس بصفته وزيرا للمالية فقط، ولكن بصفته الحاكم الاسرائيلي للأراضي المحتلة.
استعراضات نتنياهو على أكتاف الأراضي الأردنية لها قصتها وروايتها وصنفت مبكرا بأنها لأغراض الدعاية والإعلان حتى أن الناطق باسم الخارجية الأردنية الذي يصدر بيانات متكررة بنفس العبارات منذ عدة أعوام على كل صغيرة وكبيرة لها علاقة بإسرائيل تجاهل تماما سيناريو الأكشن لنتنياهو وهو يتفقد في الأغوار ما تسميه فرقة جلعاد العسكرية الإسرائيلية بمحطات الإنذار المبكر.
ليس سرا: نتنياهو يريد ولأغراض انتخابية تصنيف الأردن بأنه عدو يتربص بالكيان. وليس سرا في المقابل أن استمرار تجاهل المؤسسات الرسمية الأردنية لهذه الاستفزازات بدون أي ردود ملائمة مباشرة عليها يتحول إلى لغز فيما القراءة التي تتحدث عن دعاية انتخابية فقط لا تستوجب التعليق والرد أصبحت هي الأخرى لغزا.
لا ملامح لعملية تعبئة وطنية في الاتجاه المضاد حتى بناء على شعار الدفاع عن الوطن الأردني وليس تحرير فلسطين أو دعم شعبها
قبل أسابيع قليلة وفرت عمان لوجستيات اللقاء بين رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي ووزير الخارجية السوري. رغم الضيافة اللوجستية هنا لم تتحسن ملفات أي مصالح أردنية في المسار الإسرائيلي.
سيناريو عسكرة الأغوار وتدشيمها وتخطيط إقامة مستوطنات ضخمة فيها يتواصل. القوانين الأردنية الناظمة لإدارة الخدمات والعقارات في الضفة الغربية المحتلة تم تعطيلها من جهة الكنيست.
الوزير ايتمار بن غفير اخترق تماما كل الثوابت والبروتوكولات المرتبطة بالوصاية الأردنية ليس على الحرم المقدسي الشريف فقط ولكن في عمق المسجد الأقصى أيضا.
ماكينة الإعلام اليميني الإسرائيلي حولت الجبهة الأكثر أمنا واستقرارا وهي الجبهة الأردنية في الأغوار إلى مادة دائمة باسم استعارة مفبركة وتحت عنوان الجبهة الشرقية.
أكثر من 80 % من محاولات تهريب المخدرات بتقنيات حديثة مثل البالونات والدرونات إسرائيلية المنشأ.
ثمة حرب إسرائيلية علنية على الأردن عنوانها توجيه المخدرات وتقويض الوصاية ومنع المياه في نهر اليرموك والتراجع عن حصة المياه الأردنية المتفق عليها من طبريا، خلافا طبعا لعسكرة مناطق التماس الحدودي وسيناريوهات التهجير حجب الغاز ولمحاولات إعاقة مناولات موانئ العقبة.
نتنياهو تحدث مجددا في الأغوار عن جبهة شرقية معادية لتبرير مشروعه الجديد مع سموتريتش بعنوان «منطقة أمنية عازلة في عمق الأغوار».
نتحدث هنا وفي كل صراحة عن الجبهة الوحيدة المحمية حدوديا بموجب اتفاقيات سلام موقعة مع الكيان الإسرائيلي.
لا يوجد مستوى مخاطر وصل إليه الأردن من مصانع التأزيم الإسرائيلية أكثر مما نراه اليوم من إجراءات على الأرض خلافا طبعا ودوما للإرباك المبرمج المقصود على المعابر والجسور بصورة تجعل العلاقة الاجتماعية بين الضفتين قيد التشكيك والطعن. تلك مؤامرة يمينية إسرائيلية كاملة الأوصاف والدسم. نكرانها وإنكار وقائعها وحيثياتها اليومية سلوك يرقى إلى مستوى الجريمة.
أغلب التقدير أن ما نقوله هنا أو يقوله غيرنا تعلمه الدولة الأردنية العميقة صاحبة الخبرة الأعمق والأعظم في الإسرائيليات.
تترك الحكومة الأردنية شعبها نهبا للأفكار والخيالات ولا تعرض أي إستراتيجية مقررة سلفا أو تتطلبها الضرورة في المواجهة والاشتباك.
لا ملامح لعملية تعبئة وطنية في الاتجاه المضاد حتى بناء على شعار الدفاع عن الوطن الأردني وليس تحرير فلسطين أو دعم شعبها.
المشهد مريب للغاية. وما سمعه كاتب هذه السطور من شخصيات رسمية في العمق يتحدث عن تلاوة تقارير ميدانية توضح حجم تسلل وتحكم المتطرفين الأصوليين المستوطنين في كل أوصال المنظومتين الأمنية والعسكرية في الكيان.
يعني ذلك أن الدولة الأردنية بخلاف الشارع والمراقبين لديها معلومات ومعطيات أكثر دقة فيما لا يزال الرهان قائم على ما يسمى بشراكة مع العمق الإسرائيلي الذي لم يعد عمقا أصلا ولا علاقة له بإسرائيل القديمة.
نفهم أن لمؤسسات القرار الأردنية حساباتها وتوازناتها. لكن نفهم في المقابل: الأدوات الخشنة أو الصلبة التي يمكن لبلد مثل الأردن استعمالها، موجودة ويحتفظ بها وإذا كانت هذه الأدوات لن تستخدم الآن في مواجهة مؤامرة علنية ويومية يصبح السؤال شرعيا وملحا: متى ستستخدم؟
