اراء و مقالات

عندما تصبح «الضفة» مشكلة «أردنية»

خطة ضم الضفة الغربية والأغوار لم تعد مجرد وهم أو فكرة أو خطة موضوعة على الورق بل تمارس حاليا

اختبرت الوسائل القانونية والدبلوماسية والسياسية التي يقترحها وزير الداخلية الأردني الأسبق حسين المجالي عشرات المرات خلال أكثر من 32 عاما على توقيع اتفاقية وادي عربة.
لكنها لم تفلح إطلاقا في ردع العدو الإسرائيلي عن المساس بالمصالح الأردنية العليا في سياق خطة اليمين لضم الأغوار والضفة الغربية ثم وضع الأردن أمام الخيارات الصعبة المعقدة.
تلك خيارات صعبة طبيعي القول بأنها ستنتهي بمقايضة ابتزازية رخيصة أمام الأردنيين فكرتها «التهجير أو المسؤولية المباشرة عن 6 تجمعات سكانية في الضفة الغربية».
نقدر ونحترم دعوة المجالي للعمل الدبلوماسي مجددا.
لكن من «يجرب المجرب عقله مخرب» هذا ما كان يقوله لنا الأجداد.
لا يمكن إلا إحالة مثل هذه المقترحات «الناعمة» إلى سلسلة «إقرارات» لا يستهان بها من بعض رموز مرحلة المعاهدة والتفاوض.
لا بد من تطوير وسائل الاشتباك الأردنية … أما متى وماذا وكيف وأين؟.. تلك أسئلة يجيب عليها أصحاب الاختصاص حيث توجد أوراق قوة خشنة لم تستعمل بعد في ردع اليمين الإسرائيلي الذي يخطط بوضوح ليس فقط لضم الضفة الغربية والأغوار.
ولكن لتحويل التجمعات السكانية الضخمة في الضفة الغربية إلى «مشكلة أردنية» بمقايسة بشار الأسد الشهيرة «درعا مشكلة أردنية».
يمكن إحالة من يتحدثون مجددا عن الأدوات الدبلوماسية والقانونية إلى تلك الوقائع التي يسجلها عمليا مفاوضون خبراء في ملف الإسرائيليات على رأسهم وأبرزهم وزير الخارجية الأسبق الدكتور مروان المعشر.
قالها المعشر عشرات المرات في آخر 5 سنوات: «إسرائيل انقلبت على نفسها وليس فقط على عملية السلام».
الطاقم الذي يدير تل أبيب وهذا الكلام للمعشر هو الطاقم الذي يؤمن بحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن دولة وشعبا.
وزير الخارجية الحالي والذي يقضي في موقعه حاليا العام التاسع قالها إعلاميا وبوضوح شديد عندما وصف اتفاقية وادي عربة بأنها «ورقة يعلوها الغبار ومرمية في أحد المتاحف».
نحيل الجنرال المجالي إلى ما قاله لكاتب هذه السطور ونشرته صحيفة «القدس العربي» عدة مرات المفاوض البارز الدكتور دريد المحاسنة أحد أبرز خبراء الوفد المفاوض عند صياغة اتفاقية وادي عربة المزعومة في الجانب التقني والفني.
المحاسنة وهو الرجل الذي يقدم شهادة فنية وليست سياسية فقط يقول فيها بوضوح: إسرائيل خالفت كل الاتفاقيات مع الأردن وملحقاتها ولم تلتزم بأي اتفاقية بما في ذلك الاتفاقيات الصغيرة الفنية الملحقة.
بعيدا عن التصريحات يمكن العودة إلى الوقائع التي تقول بأن خطة ضم الضفة الغربية والأغوار لم تعد مجرد وهم أو فكرة أو خطة موضوعة على الورق بل تمارس حاليا.
حكومة إسرائيل التي يستقبل في عمان من أجل لقاء سري مع مسؤولين سوريين قادتها الأمنيون مرة أخرى هي ذاتها الحكومة التي حجبت الغاز المتفق عليه بضغط أمريكي مرتين على الأقل في أوقات أزمة.

خطة ضم الضفة الغربية والأغوار لم تعد مجرد وهم أو فكرة أو خطة موضوعة على الورق بل تمارس حاليا

إسرائيل هي ذاتها التي تحجب عن الأردنيين حصة المياه المتفق عليها ولا يوجد أي أساس ومنطق يفترض في الشعب الأردني تصديق كذبة السلام وأوهام المعاهدة.
النظرية الوحيدة التي يبدو أنها تجتاح أوصال القرار الرسمي والدبلوماسي هي التي تنتظر الفرج من الله والانتخابات الإسرائيلية.
الرهان ليس على السلام ولا على الوقائع الجيوسياسية ولا حتى على الدبلوماسية الدولية ولا على أذرع القانون بل – وتلك ليست معلومات سرية- على حصول تغيرات ومتغيرات انتخابية في الداخل الإسرائيلي تطيح بالحكومة الحالية ورموزها.
هذا بحد ذاته رهان يظهر ضعف المراهن في الواقع ويكشف عجز النظام الرسمي العربي وإن كانت الاحتمالات متساوية وبينها عودة نتنياهو وزمرته إلى الحكم لتنفيذ المخطط المعلن بالزحف نحو السيطرة على أراضي 6 دول عربية بالجوار.
الكلام الذي يقوله وزراء سابقون نحترمهم ونجلهم عن تخشين بعض الأدوات الدبلوماسية الناعمة مكرر ومجتر ولا يمكن وصفه بالإنتاجية.
تلك المقاربة التي تقترح بأن التطورات المتسارعة في الضفة الغربية ومنع تحول ما سيحصل في الضفة الغربية إلى منطق استقطاب داخل الأردن لا تزال خارج سكة التأثير.
التركيز فقط على «منطق أمني رادع» في الداخل الأردني خطأ بصري وسياسي حاد.
تلك مقاربات عفا عليها الزمن ولم تعد صالحة ولا بد من الاستثمار دون طبعا مغامرات ومجازفات في أوراق القوة الحقيقية الأردنية وأهمها على الإطلاق المزاج الشعبي الحاد المضاد للعدو.
أي اتفاق تراجعت عنه إسرائيل يمكن للأردن التبرؤ منه عمليا.
لعل الورقة الرابحة أكثر هي تذكير الإسرائيليين بأن الحدود التي صنعها العدوان الإسرائيلي في الواقع هي «سلاح ذو حدين».
من يفتح حدودا من جانبه لتهجير الفلسطينيين إلى الأردن عليه أن يفهم مسبقا بأن الحدود من الجانب الآخر يمكن أن تفتح لأكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني لديهم حقوق ثابتة وأخلاقية وقانونية في «حق العودة».
تلك ورقة حقيقية ناقشتها مؤسسات سيادية: هل يمكن لعمان استخدامها؟… هذا هو السؤال المركزي.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading