اراء و مقالات

«فوبيا» الإسلاميين ضربت مسار التحديث الأردني: وصفات هجينة وملامح غامضة للعمل البلدي

ما يجري في ملف مجالس المحافظات والبلديات وحتى في مساحة التراجع عن مسارات التحديث والتخفيف من سطوتها هو خيار عابر للحكومة على مستوى الدولة والمؤسسات، لكنه غير معلن رسميا بعد.

عمان ـ «القدس العربي»: لا أحد يمكنه بعد في الإطار البيروقراطي الأردني التوصل إلى خلاصة محددة حول شكل وهوية العمل البلدي في البلاد وتجربة اللامركزية ومجالس المحافظات بعد التفرغ من إقرار قانون ملتبس جديد بإسم الإدارة المحلية أثار النقاش والجدل والتجاذب منذ العام الماضي وقبل تحويله إلى مجلس النواب.
استنادا إلى خبراء العمل البلدي البيروقراطيين، تنهي نصوص المادة التي تنظم آلية انتخاب مجالس المحافظات الداعمة للبلديات المنتخبة تجربة ومشروع اللامركزية الإدارية، فيما تقول الحكومة إن القانون يعيد إنتاج اللامركزية بصيغة أكثر تطورا وتفاعلا مع تحديد الاحتياجات ثم الأولويات بالعمل البلدي.
واضح تماما أن فوبيا الإسلاميين هي التي تقف حصرا خلف التعديلات المثيرة التي اقترحتها الحكومة على مجلس النواب، لأن إبعاد شبح تحكم التيار الإسلامي في بلديات كبرى بموجب صناديق الاقتراع قد يكون الدافع الأساسي وراء أنماط غير مألوفة يقترحها القانون الجديد أبرزها اختيار أعضاء مجلس المحافظات من شخصيات انتخبت سابقا في المجتمع المحلي بدلا من الاقتراع المباشر.
يعني ذلك أن مجالس المحافظات المعززة للمؤسسات البلدية لم تعد منتخبة بالكامل. وهو خيار يقدر المحلل السياسي الإسلامي الدكتور رامي العياصرة وهو يتحدث لـ«القدس العربي» بأنه تعبير مباشر عن التراجع في مسار التحديث.
العياصرة يضم صوته للمحذرين من الاسترسال في التراجع عن التحديث السياسي بعدما حظي بالتوافق بناء على عقدة الخوف من أي تيار في البلاد، بما في ذلك التيار الإسلامي الذي يقول العياصرة إنه معني بمسؤولية كبيرة باستقرار وتوازن الحالة السياسية عموما.
بين التعديلات المضادة لفكرة الصلاحيات الانتخابية والتمثيلية النص الذي يقترح تعيين مدير تنفيذي بصلاحيات مستقلة في كل مجلس بلدي منتخب، على أن يتولى التعيين وزارة الإدارة المحلية هنا ما يحكم سيطرتها على التفاصيل التنفيذية وأهمها اختيار المشاريع وكيفية تنفيذها والإنفاق عليها ماليا.
ينطوي النص على تعيين مدير تنفيذي بالبلدية المنتخبة على نزع الدسم والصلاحيات من الأشخاص المنتخبين.
ولأن هذا النص مثير للجدل أوصت اللجنة الإدارية النيابية بتعديل هجين ومختلط فكرته توزيع الصلاحيات بين مجلس بلدي منتخب ومدير تنفيذي خلافا لاختيار المدير التنفيذي من قائمة أشخاص مقترحة حتى يوحي التعديل بأن عملية الاختيار هنا هجينة ومختلطة وتراعي ولو بالحد الأدنى حسابات المنتخبين في كل بلدية.
هنا أيضا نص ينتقص من صلاحيات المنتخبين في البلديات، إذا اضيف له نصوص تنظيمية تجعل الوزارة هي المحدد الرئيسي لكيفية الإنفاق من الموازنة، يمكن القول إن عملية نزع الصلاحيات يتم تأصيلها بموجب القانون، فيما لا مبرر إداريا وبيروقراطيا لفهم ذلك من دون عقدة الخوف السياسي والبيروقراطي من نجاح أو تصدر الإسلاميين في العمل البلدي خصوصا في ظل الضعف المؤكد في جبهة الأحزاب الوسطية.
لذلك كله لا يزال قانون الإدارة المحلية حمال أوجه، وجراء الضغط الحكومي العنيف على مجلس النواب ولجانه يضطر أعضاء المجلس المهتمين وحرصا على حساباتهم الانتخابية اللاحقة لمراوغة الضغط الحكومي بوصفات توحي بتعديل أو تصويب هنا أو هناك في النصوص، بمعنى الحفاظ على الحد الأدنى من شكل العملية الانتخابية على حساب جوهرها ومحتواها ومضمونها.
لا يوجد تفسير لمثل هذه المراوغات التشريعية برأي العياصرة إلا في سياق التعبير عن حالة نكوص تطال مسارات التحديث السياسي وتراجع لا تفهم أسبابه عن وثائق التحديث المرجعية وإن كانت الأسباب سياسية في كل حال كما يرى نشطاء سياسيون، ومرتبطة ليس فقط بفوبيا الحركة الإسلامية التي استطاعت مؤخرا جمع شتاتها والتحول إلى تجربة حزب الأمة، ولكنها مرتبطة أيضا على الأرجح بحسابات وتقاطعات حادة منطلقة من فقدان الإحساس بالاستقرار جراء المتغير الإقليمي ومعه الدولي.
نزع الدسم التمثيلي والانتخابي من القوانين التي تحكم مؤسسات العمل البلدي أصبح عنوانا عمليا لمقتضيات قانون الإدارة المحلية الجديد. وهي مقتضيات تطلبت أصلا ليس فقط حل المجالس البلدية المنتخبة القائمة برمتها العام الماضي، ولكن تأجيل الانتخابات البلدية وتوسيع سيناريو التحكم في المؤسسات البلدية ومجالس المحافظات عن بعد لصالح دور مركزي ومحوري لوزارة الإدارة المحلية.
لا يمكن القول إن مسؤولية التراجع في ديمقراطية العمل البلدي الأردنية تقع حصرا على عاتق وأكتاف الوزير المخضرم والنشط وليد المصري، لأن الخيارات هنا عبرت من أروقة القرار ومفاصله في الدولة أو استطاع المصري إقناع جميع المؤسسات الرسمية الشريكة للحكومة بالصيغة والتصور.
ما يجري وتقرر في ملف مجالس المحافظات والبلديات وحتى في مساحة التراجع عن مسارات التحديث والتخفيف من سطوتها ونفوذها هو خيار عابر للحكومة على مستوى الدولة والمؤسسات، لكنه خيار غير معلن رسميا بعد.
لا ينبغي قراءة هذه التحولات فقط باعتبارها تمثل برمجة وزير ما أو حكومة مؤهلة للرحيل في أي وقت….ما يتبقى إصدار شهادة وفاة لمسار التحديث السياسي.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading