الأردن: «سيناريوهات أمام الحكومة»
الوطن والمواطن والدولة والناس مستفيدون تماما من حالة الاعتراض التشريعية التي أحبطت ولو مؤقتا نمو وزحف ومسيرة قانون الضمان الاجتماعي

إعاقة مشروع قانون مهم وخطير عبر مجلس النواب الأردني “نبأ سار” ومفرح لكل من يزعم حرصه على الوطن ومصالحه. وحتى تكتمل صورة المصلحة الوطنية العامة يتوجب على رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان إبعاد السيناريوهات والوشوشات والوسوسات التي تهمس في أذن الحكومة محذرة من سابقة برلمانية تنتصر فيها إرادة السلطة التشريعية، وبالتالي رغبة المواطنين على السلطة التنفيذية وخياراتها.
نقولها بوضوح ومن الآخر: الوطن والمواطن والدولة والناس مستفيدون تماما من حالة الاعتراض التشريعية التي أحبطت ولو مؤقتا نمو وزحف ومسيرة قانون الضمان الاجتماعي تحديدا الذي يمثل في النهاية والمحصلة أغلى وأرفع ما يمس مباشرة بالمصالح العامة للمواطنين وهو رواتبهم التقاعدية التي تضمن الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للإنسان.
ما نقترحه على الدوار الرابع- أي مقر الحكومة – تجاهل الوسوسات التي تقترح بأن إعاقة القانون عبر سلطة تشريعية قامت بواجبها يتوجب أن ينتهي بأزمة تقود إلى حل البرلمان.
ونقترح استخدام سلة مهملات حكومية أنيقة لإلقاء المقترحات” التحريضية” التي تمس بأسس العلاقة الحيوية بين السلطتين.
بعض الوسوسات تشيطن نواب تيار منتخبين أو مستقلين أو أصحاب رأي يمثل الجمهور… بعضها الآخر تحذر الدولة من سيناريو “الثلث المعطل” وثالثها الأخطر تلك التي تصر على “خديعة” تقول” البلد لازم تكون ممسوكة وليس متماسكة”.
النواب جميعا مارسوا صلاحيتهم الدستورية في إعاقة مشروع قانون يمكن تجويد نصوصه لاحقا وتنقيحها بصورة أكثر صلابة ومصداقية وإنتاجية. لا مبرر للتصعيد مع النواب.
ولا مبرر إلا للاحتفال بتلك الحالة التي تصطاد فيها لجنة تشريعية ورقمية ثغرات في أرقام وبيانات الحكومة وتطالبها بشروحات وتوضيحات على هذا الأساس. الوزراء بشر والموظفون يخطئون مثل غيرهم.
ولعل الوطن هو المستفيد حقا من هذه الممارسة الرقابية الدستورية الاستثنائية حيث واجب نواب الشعب اصطياد الثغرات والأخطاء وتمثيل مصالح الناس وليس السلطة والتدقيق والتحقق خلافا لتسليط الضوء على المساحات الرقمية الفارغة حيث بيانات لم تكن دقيقة وأطقم فنية مع أسباب موجبة لم تكن مقنعة.
حالات الصياح التي ظهر فيها نواب يمثلون الشعب ويعلنون البراءة من أحد القوانين صحية بامتياز وتعزز رصيد الدولة ولا تسحب منه.
ظهور إمكانيات إعلامية ومناورات تكتيكية بين النواب هو أجمل ما في الممارسات الديمقراطية والحكومة التي تحترم مؤسسة التشريع والناس هي تلك التي تكرس هذه المشهدية وتدعمها وليس العكس.
الوطن والمواطن والدولة والناس مستفيدون تماما من حالة الاعتراض التشريعية التي أحبطت ولو مؤقتا نمو وزحف ومسيرة قانون الضمان الاجتماعي
الحكومة الأفضل هي التي تخضع لسلطة الشعب ولا تنظر للمعارضات والاعتراضات على نحو شخصاني عصابي، والعكس تماما يتوجب أن يحصل وما يفتقده الناس في البلاد عموما هو إفرازات التفاعل والاشتباك الإيجابي دوما بين السلطتين.
ضروري جدا تذكير الحكومة والسلطة بأن وجود ثلث معطل أحيانا في مجلس النواب مكافأة ديمقراطية للوطن مادام الحديث عن تشريع فني وتقني.
وجود تكتلات نيابية صاحبة رأي تبحث وتدقق خصوصا في الأرقام والبيانات وتستعين بالإعلام والشارع هو جوهر العمل البرلماني والديمقراطي وفرصة لاستعادة سعة هيبة سلطة التشريع ومعها هيبة ونزاهة الانتخابات وجدوى التمثيل وعلى أساس القناعة التي طالما يرددها البرلماني والسياسي المحنك الدكتور ممدوح العبادي عندما يقول” أعداء الأمة والوطن يتفوقون بالسلاح الديمقراطي حصرا”.
لا يوجد ما يعيب الحكومة عندما تخضع لسلطة البرلمان ولا يوجد ما يعيبها عندما تسحب تشريعا يعترض عليه الشعب.
مثل هذا الخضوع هو جوهر الاحتكام لنصوص الدستور ويدل على رئاسة وزراء منفتحة وطاقم حيوي وعلى تأسيس شراكة منتجة تمثل ما هو جوهري في رسالة الولاء للدولة والنظام والانتماء للوطن.
لا يوجد ما تخجل منه الحكومة أو تأسف عليه والمتوفر هو حصرا الاتجاه المعاكس حيث تشعر الحكومة بالزهو والفخر لأنها تجاوبت مع محاولات برلمانية متكررة لإعاقة تشريع لا يرضي الناخبين.
تلك سابقة وطنية وسياسية بامتياز تخدم الدولة والناس معا وتنتج ولو بعض الأمل القليل في فكرة إعادة الهيبة لدور البرلمان حيث السلاح الوطني الأكثر قدرة لاستعادة هيبة مسار التحديث السياسية برمته، خصوصا وأن الحديث هنا عن خلافات تقنية ورقمية وفنية في نصوص قانون قابلة للطي والتنقيح والمراجعة بما يحافظ على مصالح المواطنين المعيشية أولا ثم على المركز المالي لمؤسسة مهمة جدا هي الضمان الاجتماعي. سحب القانون مؤقتا لمراجعته خطوة مهمة تحسب للحكومة.
صدق أحد لنواب عندما قال بأن الحكومة عادت إلى رشدها فيما صدق زميل له عندما أشار إلى أن المطبخ الأمني اشتم رائحة لا مصلحة فيها ودعم خيار سحب مشروع القانون بسبب حساسية وطرقه لأبواب كل الأردنيين.
لا ضرر ولا ضرار … إرجاء قانون الضمان الاجتماعي فرصة للسلطة التنفيذية وليس للتشريعية فقط.
هي فرصة تعيد الأمل ولو قليلا بجدوى الاحتكام لنصوص دستورية، ومن يقول بغير ذلك على الحكومة وليس غيرها أن تطرده من المشهدية.
سلة المهملات تبقى موجودة.
