الأردن: شعب «يحاور» نفسه!
لا يمكن مواجهة الإسفاف والشطط في التحليل والقراءة والروايات المضادة إلا بروايات رسمية صلبة ناضجة

ترك التحليلات منفلتة كما هي الآن في الملفات والقضايا الأساسية التي تشكل هاجسا كبيرا للرأي العام وللشارع الأردني بدون توضيح وتفسير أو شروحات ملائمة وسردية مناسبة مقنعة بمثابة الخطأ الأبرز للحكومة وللسلطة المشرفة.
الاستمرار مجددا في ارتكاب الأخطاء نفسها يحرم المؤسسات الرسمية ومعها الحكومة من شرعية استنكار رصد أرضية خصبة ومساحة واسعة للتكهنات على حساب الحقائق وللشائعات على حساب الوقائع.
يستمر اليقين عند الشارع بالغياب.
السبب المؤكد «غيبوبة الإعلام الرسمي» ومخاوف المسؤولين والوزراء من نتائج سياسة الإفصاح وتغييب التفاصيل وجبن المسؤول البيروقراطي والسياسي وشغفه بالنجاة الشخصية فقط وسط تلاطم أمواج الحسابات والحساسيات.
مجددا عندما تعلق الأمر بالجدل المرافق لمشاريع السكك الحديدية كمثال فقط يغيب يقين الناس وتتصدر «التوقعات السلبية» فيما تستقر الحكومة فقط في منطقة «الاستهجان والاستنكار» والعزوف عن طرح الحقائق ومناقشة الحجة بمثلها ولاحقا البقاء في مساحة تطرح المفارقة الأكثر حساسية حيث توقع نتائج إيجابية لأداء سلبي.
السلطة الحكومية قررت التقدم بحزمة «تشريعات مهمة للغاية» ثم تجنبت الحوار وألقت به في أحضان لجان البرلمان وكأن الشعب هنا المطلوب منه أن يحاور نفسه ثم يخدم احتياجات الحكومة بدون اعتراض.
تلك منهجية غير قويمة ولا تتمتع بأي عبقرية حيث سلطة المايكروفون في الدفاع عن خيارات الدولة والحكومة تترك لضاربي الدفوف صناع التأزيم الناطقين باسم السلطة والمحترفين في استفزاز المواطنين.
الحكومة عليها التوقف عن مطالبة الناس والمواطنين بالإيجابية وتحييد العدمية والسلبية والقراءات الخاطئة لأن غياب الشروحات والتفصيلات والمهارات في إيصال الرسائل هو اللغز الكامن في إنتاج وتصنيع السلبية.
نتحدث عن التوسع في الشروخات الخاصة بإساءة تفسير بعض مشاريع وتشريعات الحكومة، وأبرزها مشاريع النقل البري الجديدة والاستملاكات التي تتطلبها لتحقيق تفاضل كمي ونوعي في قطاع النقل من أجل المستقبل.
بكل بساطة أخفقت الحكومة هنا في الشرح والتفصيل وتركت لمخيلة الشارع التجول بين الشرق والغرب فيما لم يوفق إطلاقا النواب المتبرعون بالدفاع عن خيارات الحكومة لأن موقعهم الطبيعي المنطقي هو الدفاع عن خيارات الناخبين.
غير منطقي إطلاقا أن تذهب المخيلة الشعبية إلى مناطق غير محسوبة وغير متوقعة في تفسير سعي الحكومة لركوب موجة «استثمارات النقل البري».
غير معقول أن يسمح بقراءة الاستثمار باعتباره خطوة تطبيعية مرتبطة حصرا باتفاقية وادي عربة التي ماتت ودفنت وشبعت موتا في الواقع وانقلبت عليها إسرائيل وليس الشعب الأردني.
الحكومة تترك الروايات السلبية تتكدس بدون فهم لنتائجها ثم تحضر لكي تلعن العدميين والسلبيين وتلوح بذراع القانون في مواجهة الروايات المضادة، علما بأن الحكومة ذاتها لم تقم بواجبها المفترض في الترويج للرواية الحقيقية للأحداث.
يتم تشويه أي توجه حكومي مهم وسرعان ما يحضر رموز الحكومة للتعبير عن الاستغراب الشديد من سلبية الناس والتعليقات والنخب ومن عدمية منصات التواصل الاجتماعي.
يا سادة: لا يمكن محاربة العدمية بمثلها ولا يمكن مواجهة الإسفاف والشطط في التحليل والقراءة والروايات المضادة إلا بروايات رسمية صلبة ناضجة ومكتملة وجاهزة مسبقا للرد على أي تحريف أو استفسار.
لا يمكن مواجهة الإسفاف والشطط في التحليل والقراءة والروايات المضادة إلا بروايات رسمية صلبة ناضجة
نقول ذلك ونحن نراقب كيفية تدحرج ملفات كبيرة مثل مشاريع السكك الحديدية والضمان الاجتماعي والإدارة المحلية دون أن توضح الحكومة الملابسات والتفاصيل للناس.
وصل تجاهل الرواية الرسمية الصلبة المقنعة المبنية على الشفافية والبينات إلى حد أن المواطنين يدافعون عن آرائهم في مواجهة أعضاء برلمان انتخبهم الناس للتو.
مخجل الوصول إلى مثل تلك المحطة في غياب مصداقية الحكومة.
كل ما يقال عن الجزء المشتبه به في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي
عندما يتعلق الأمر بمشروع السكك الحديدية ولد في رحم الشارع وتشكل وارتدى ثوبا وسمح له بالصمود والبقاء بدون التقدم برواية مضادة.
لماذا لا تقول الحكومة بشفافية وبوضوح أن ما يجري له علاقة بالانتقال في استغلال الواقع الجغرافي للمملكة من أجل مخاطبة الاحتياجات الدولية والإقليمية الأساسية لمرحلة النقل البري فيما بعد المضائق والممرات المائية.
تلك جزئية يمكن شرحها في كل بساطة بدون توجس وخوف.
قد تكون الحكومة في واد والتفسيرات والقراءات في واد آخر.
لكن رموز الحكومة ووزراء الطاقم الوزاري لا يريدون التحدث لا مع لجان البرلمان ولا مع الناس والمواطنين.
وبالتالي تتكرس السلبية ويوضع مجلس النواب هنا في مواجهة الجمهور وذلك خلل كبير لا أساس له لأن واجب مجلس النواب تمثيل الناس وليس الحكومة في الخطاب.
لا أحد يعلم لماذا تتصرف الحكومة بهذه الطريقة؟
لكن الانطباعات تتكدس: الابتعاد عن إقامة حوارات وطنية منتجة وفعالة ونشطة وحقيقية من أجل تشريعات تضع الحقائق في أحضان الجمهور تدفع الحكومة اليوم ثمنه ويدفع معها النواب وأعضاء اللجان التي طولبت بإجراء حوارات من واجب الحكومات تفعيلها بدلا من استدعاء بقية مؤسسات الدولة للمساعدة في شؤون بسيطة.
