اراء و مقالات

لأول مرة في تاريخ الأردن.. ضخ 9 مليارات في الاقتصاد وسط تحذيرات من احتجاجات وتساؤلات حول الفساد

صحيح أن رئيس الوزراء حدد رقماً، لكن الحكومة لم تفصح بصورة تفصيلية عن جهات التمويل أو الطريقة التي تحسب فيها تلك الاستثمارات

عمان – “القدس العربي”: إعلان رئيس وزراء الأردن، جعفر حسان، ضخ نحو 9 مليارات دينار قريباً في الاقتصاد الوطني، سيطرح سؤالين لدى حاضنة كبيرة تلاحق تصريحات الحكومة وتترصد وستترصد: من أين ستأتي تلك المليارات؟ وكيف ستنفق؟

حسان زف تلك البشرى للأردنيين على هامش اجتماع وزارته في مدينة إربد شمالي البلاد، صباح الأحد، عندما تحدث عن حزمة مشاريع ضخمة ستنتهي بعطاءات وعقود ووثائق تؤدي إلى ضخ هذا المبلغ الضخم في الاقتصاد المحلي. وأكد حسان: “ذلك سيحدث لأول مرة في تاريخ المملكة”. هذا التصريح التحفيزي المهم لجأت إليه الحكومة، فيما ترصد بعض المستجدات، التي لا يمكن إسقاطها من الحسابات، على صعيد التفاعل الاجتماعي، خصوصاً بعد النقاش حول أسعار المحروقات.

حسان رفع منسوب الرهان على تلك الاستثمارات بالمليارات، وعلى دور المشاريع الكبيرة في تنشيط وإنعاش الدورة الاقتصادية. في الأثناء، عاد الحديث على نحو مباغت وغير مسبوق عن الفساد والفاسدين لا بل عن “احتجاجات شعبية محتملة”.  ولاحظ متابعون بأن الشكوى والتذمر من ارتفاع الأسعار وكلف الوضع المعيشي بدأت تطال مكونات وشرائح اجتماعية أكثر كما لم يحصل من قبل.

الكاتب الصحافي المقرب من المؤسسات فهد الخيطان حذر الإثنين من “صعود احتجاجات شعبية” جراء الوضع المعيشي.  تلك رسالة قد لا تمثل المقال وكاتبه فقط، إذ إن أحد الوزراء السابقين قال ل”القدس العربي”: “الجميع الآن يتذمر من كلف المعيشة كما لم يحصل من قبل. وحديث المليارات لا يغطي المطلوب”.

صحيح أن رئيس الوزراء حدد رقماً، لكن الحكومة لم تفصح بصورة تفصيلية عن جهات التمويل أو الطريقة التي تحسب فيها تلك الاستثمارات

يبرز الحديث عن ضخ 9 مليارات، مباشرة بعد خلاصة الاستطلاع الأخير الذي أعلنه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية “كبرى جامعات الحكومة”، ضمن سيناريو “تراجع لا يمكن إنكاره في شعبية الحكومة والثقة بأدائها، وسط قصائد شعر شعبي تنتقد الحكومة، وتتحدث عن الفساد. فضلاً عن تصريحات من شخصيات بارزة في المجتمع عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومن بينها تصريح لافت لوزير سابق تحدث فيه عن غياب الشعور الرسمي والحكومي بحال المواطن.

يضاف إلى ذلك تصريح للوزير السابق بسام العموش، يسأل فيه عن مبررات الرواتب التي تصرف لأعضاء مجلس النواب. جرعة النصائح للحكومة تزداد وسط مؤشرات “تململ” لا يمكن إنكارها على صعيد الوضع المعيشي، بالرغم من المشاريع الكبرى التي “جرمت” الحكومة مسبقاً علناً التشكيك فيها، ولوحت بملاحقة المشككين قانونياً.

الحديث هنا عن المرحلة الأولى من مشروع سكة حديد العقبة  والمرحلة الأولى من مشروع الناقل الوطني، إضافة إلى استثمارات في قطاع المعادن ومشروع ريادي باسم مدينة جديدة وملعب كرة قدم ومواقع ترفيهية.

لا معلومات تفصيلية

صحيح أن رئيس الوزراء حدد رقماً، لكن الحكومة لم تفصح بصورة تفصيلية عن جهات التمويل أو الطريقة التي تحسب فيها تلك الاستثمارات. الخبير الاقتصادي، أنور الخفش، حذر عبر “القدس العربي” مما يسميها بالخطط الورقية، داعياً إلى التحدث في التفاصيل بشفافية، ودراسة المعطيات بعمق بعيداً عن إغراءات الخطاب الإعلامي أو الاستهلاكي.

طرح خبراء متعددون علناً تساؤلات عن ضمانات التمويل لمشاريع الحكومة الجديدة

في الأثناء، طرح خبراء متعددون علناً تساؤلات عن ضمانات التمويل لمشاريع الحكومة الجديدة، والحاجة لمشاريع كبيرة لا يمكن إلا دعم خططها ورؤية منجزات على الأرض تردع الآراء السلبية. حراك الحكومة في مجال الاستثمارات مطلوب وبإلحاح لأغراض التوظيف والتشغيل وتحريك الدورة الاقتصادية، حيث لا مجال إلا لدعم التوجهات الإيجابية، فيما على الحكومة المضي أكثر في الشفافية والمصارحة والتوضيح، برأي الخفش.

رفض التشكيك

الحكومة استبقت الأحداث قبل أشهر بإعلان صريح تقول فيه بأن التشكيك بالمشاريع الوطنية الكبيرةجزئية قد لا تصمت السلطات عليها وتخضع للمساءلة القانونية. التصريح الأخير يخدم فكرة استقرار العمل واحتواء الاجتهادات السلبية. ما يخدم حرص الحكومة على تجنب سيناريو انعقاد دورة صيفية للبرلمان تجنباً لمشاغلات النواب وسعياً لبرمجة جهد حقيقي خلال الأشهر الـ6 المقبلة حيث تساهم عطلة البرلمان في تحويل استثمارات المشاريع إلى وقائع قانونية على الأرض، وليس على الورق فقط.

 قد تنجح حكومة حسان في خطتها الطموحة. لكن ما حذر منه الخبير الاقتصادي، جواد العناني، كلفة غياب اليقين والمتغير الإقليمي على إنتاجية التخطيط الاقتصادي. شرح العناني في وقت سابق لـ”القدس العربي”: “متغيرات الاصطفاف والتحالف التي تمر بها المنطقة حالياً قد لا تشكل بيئة مواتية للتخطيط الاقتصادي المطروح، حيث الفرص المتاحة جراء مرحلة الحرب ضد إيران وتداعياتها موجودة في كل حال”.

 حديث الوزارة المتفائل عن ضخ مليارات في الاقتصاد الداخلي قريباً يصعد، فيما تزداد تعقيدات الوضع المعيشي

مناخ الإقليم غير مستقر، والتحديات موجودة، ما يتطلب جهداً سياسياً اقتصادياً إستراتيجياً دائماً لتخفيف وطأة التحديات التي تولد أو تنمو ومعالجتها، خصوصاً في مجال مراقبة حركة الأموال. لم يعرف بعد ما إذا كانت وزارة حسان في سياق الاستجابة لنصائح خبيرة مثل تلك التي يطرحها العناني، لكن منتدى الحموري حاول خدمة المصلحة العامة باستقطاب الأخير للتحدث مؤخراً.

 حديث الوزارة المتفائل عن ضخ مليارات في الاقتصاد الداخلي قريباً يصعد، فيما تزداد تعقيدات الوضع المعيشي. ويعود سؤال الفساد فجأة باسم المواطنين والرأي العام بسبب ارتفاع كلفة الأسعار والتضخم، وليس لأن الفساد المزعوم يمثل فقط حقيقة إدارية ما.

لا بد من تذكير الحكومة ورئيسها بمخاطر اللعبة الإعلانية والعزف على رهانات “إرضاء الجمهور”. الرأي العام الأردني يتذكر بوضوح وزيراً سابقاً للتخطيط، ورئيس حكومة أسبق، أطلا يوماً عبر شاشة التلفزيون وتحدثا عن 20 ملياراً من الدولارات للاستثمار. الشارع يتذكر تلك الأقوال، وعلى الوزارة تذكرها أيضاً عندما تقرر الأفعال.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading