الأردن والحاجة لمجتمع متماسك

لا نحتاج لإحصاء أو تعداد الفارق العميق والأساسي بين مقولتين تتصارعان بالعادة في الأردن على المستوى النخبوي.
الأولى تلك التي تقترح السهر والحرص على المجتمع «الممسوك».
والثانية تلك التي تؤمن بأن الإنتاجية الوطنية ودولة القانون والمؤسسات تحتاج لمجتمع متماسك.
ما بين الممسوك والمتماسك نقاشات عاصفة وذهنية طوال الوقت في أروقة ومؤسسات القرار.
وما نقترحه باختصار هنا على رواد ورموز نظرية «المجتمع الممسوك» بالمعنى البيروقراطي إنفاق دقائق من الوقت لقراءة المقال المهم الذي نشر بداية الأسبوع بقلم المسؤول المباشر عن مديرية الإعلام العسكري العميد الركن محمد علي مهيدات.
الجنرال مهيدات قدم في الواقع مادة علمية تتحدث عن الأمن الإدراكي وأهميته القصوى في منظومة الدفاع الوطني حيث المعركة على الإنسان وإدراكه وفهمه ولم تعد مقتصرة على البحر والجو والبر كما لم تعد مقتصرة على الفضاء السيبراني.
العميد مهيدات ذكر عبارة في غاية الأهمية وهو يشرح بلهجة الاحتراف العسكري المعهود أساسيات الأمن الإدراكي المطلوب.
العبارة ببناء القدرات على أساس «مجتمع واعي متماسك».
ما طرح في سياق بناء تماسك المجتمع يحتاج للتعمق والتأمل ويلفت النظر هنا أن من تتحدث في السياق المؤسسة العسكرية حيث لا اجتهاد ولا فتاوى خارج النص.
ما نفهمه نحن المتابعين البسطاء كما يلي: العقل السيادي الأردني وفي المفهوم الدفاعي الوطني يؤمن ببناء جبهة اجتماعية متماسكة.
ليس سرا في السياق أن التنظير من النخب البيروقراطية والسياسية وصل دوما إلى أعلى المستويات لصالح الترويج لثقافة المجتمع الممسوك وليس المتماسك.
لا نريد القول بأن الساسة والبرلمانيين وأدعياء الخبرة ورموز المزاودة يخدمون منهجية المجتمع الممسوك قسرا لأغراض لا نشكك في معظمها لكنها تصبح مريبة الآن مادام عقل الدولة السيادي العميق يؤمن بالمجتمع المتماسك بمعنى تحصين المجتمع ذاتيا ورفع قدرته وموهبته في مواجهة التضليل وهجوم المعلومات والرواية المضادة.
نرفع القبعات احتراما لمنطق الإعلام العسكري هنا.
بين المجتمع الممسوك والمتماسك فوارق وهوامش كبيرة ومتسعة وأجيال من الساسة الانتهازيين الذين اختطفوا الدولة والولاء لها باسمهم فقط
وندعو النخب البيروقراطية والسياسية والبرلمانية التي تحترف عزف أسطوانة الإمساك بالمجتمع قسرا للتثقف أكثر في السياق.
النقاش هنا بعنوان الفارق بين المجتمع الممسوك والمجتمع المتماسك يذهب بنا قسرا إلى محاولة تقصي وفهم مقاصد وأهداف الساسة المتملقين الذين لا يؤمنون إلا في مقولة «الشعب الأردني لا يصلح معه في ضبط إيقاعاته إلا سيناريو الممسوك وليس الصلب المتماسك».
هؤلاء على الأرجح هدفهم النهائي الحفاظ على امتيازاتهم الشخصية وأحيانا الشللية عبر عملية منهجية تخطف الولاء ومعه الدولة وتزعم تمثيل مصلحة النظام عبر التنظير لبرمجة الإمساك بالمجتمع والسيطرة عليه بالذراع البيروقراطي البوليسي وعلى حساب تقاليد راسخة في البلاد.
لا يمكن تنزيه بعض هؤلاء عن الغرض الشخصي أو الشللي في الواقع حيث عمليات سحب رصيد الدولة عند الناس تتواصل وتظهر هنا أو هناك بين الحين والآخر.
لا بد من عقد دورة تثقيفية لكل من يتولى الشأن العام والإدارة في البلاد لدى المؤسسة السيادية حتى يفهم المجتمع أن الدولة العميقة تؤمن بتماسكه ووعيه وليس بالإمساك به والسيطرة عليه فقط لأن الفوارق هنا تدفع أثمانها ليس فقط من جوهر وصلب العقد الاجتماعي غير المعلن بل من منطق العلاقة بين الدولة ورعاياها كما يدفع ثمنه قوة الدولة الاقتصادية وهيبة بنيتها القانونية.
بين المجتمع الممسوك والمتماسك فوارق وهوامش كبيرة ومتسعة وأجيال من الساسة الانتهازيين الذين اختطفوا الدولة والولاء لها باسمهم فقط.
ما يقوله الإعلام العسكري عندما يستعرض المختصون فيه تفريعات الأمن الوطني الإدراكي تحديدا هو أن التحديات التي تواجهها الجغرافيا الأردنية من الصنف الذي يتطلب وعيا متماسكا في مساره الاجتماعي حيث التماسك هنا يصبح جوهريا وحقيقيا وتعبيرا عن الولاء المنتج غير المسموم.
عندما يتعلق الأمر بآليات وتقنيات بناء مجتمع الوعي المتماسك المسيطر ذاتيا على أمنه الإدراكي بدون الحاجة لسيطرة الدولة والحكومة عليه يصبح الحديث في التفاصيل مسارا إلزاميا حيث لا بد من إعادة الاعتبار للشعب الأردني وطاقته الكامنة الحيوية وإظهار الاحترام لوعيه وفهمه حتى تتحول طاقة المجتمع عبر وعيه المتماسك إلى سلاح جذري حاد تحتاجه الدولة الصلبة في كل الأحوال.
ما يطرح هنا عن المجتمع المتماسك يرد بضاعة الكثيرين من هواة العمل العام إليهم حيث المواطن جزء من عملية القرار السياسي وحيث السلطة التشريعية لها دور وواجب ووظيفة في مراقبة السلطة التنفيذية وليس في خدمتها فقط في إطار تعبير انتهازي ينظر للانتخابات اللاحقة.
ما قاله الإعلام العسكري للأردنيين عن أهمية المجتمع المتماسك في بناء منظومة الأمن الإدراكي الوطنية يستحق ويستوجب الاحترام والتقدير.
أملنا كبير في أن ترتقي المؤسسات البيروقراطية الأخرى إلى فهم مستجد وحيوي فكرته أن حماية مستقبل الأردن مرتهنة الآن بإلقاء مقولة المجتمع الممسوك على أحد أرفف متاحف الغبار.
