الأغوار الأردنية: سكة حديد بدلا من «البندورة»… نقاشات حساسة في الأمن الغذائي
الحكومة الأردنية تعود لسبب غامض لتوجهات ومسارات مشاريع اتفاقية وادي عربة الاقتصادية والبنيوية، في الوقت الذي تعلن فيه بوضوح بأنها في حالة تناقض شمولية مع حكومة اليمين الإسرائيلي.

عمان ـ «القدس العربي»: امتنعت وزارة الزراعة الأردنية رسميا عن التعليق على الحيثيات التي ظهرت فجأة وتشير إلى أن القطعة الأكبر من أراضي منطقة الأغوار التي سيتم استملاكها بهدف تخصيصها لمشروع السكك الحديد الجديد بعد التصويت على قانون الملكية العقارية الجديد، هي أكثر أراضي منطقة الأغوار خصوبة من الناحية الزراعية.
الحديث هنا عن نحو 3500 دونم من الأراضي الزراعية الخصبة إلى جانب حواف نهر الأردن.
عدد كبير من الخبراء بدأ يشير إلى أن خريطة المساحة التي سيتم استملاكها ضمن منطقة الأغوار في محاذاة الحدود الأردنية مع فلسطين المحتلة هي الأكثر خصوبة زراعيا.
لم تعلق وزارة الزراعة على هذه المعلومة المهمة. لكن أشارت لها المزارعة والناشطة الاجتماعية في منطقة الأغوار نبيلة الحشوش، التي ظهرت على شاشة فضائية «رؤيا» وهي تسأل علنا أمام الكاميرات رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب عارف سعايده وزميل له عن ما إذا كان مستعدا للتنازل عن محصول البندورة والتوقف عن تناول الطماطم بسبب مشروع السكك الحديد واستملاكات الأراضي.
تلك الأراضي الخصبة جزئية مهمة في المشهد ليس لأسباب سياسية مرتبطة في الجانب التطبيعي لمشروع السكك الحديد كما يقال، ولكن لأن المسألة تتعلق بالأمن الغذائي الأردني كما قالت عضو البرلمان الدكتورة ديمة طهبوب بعد زيارة ميدانية لأهالي المنطقة.
يسأل مختصون اليوم عن تأثير مشروع السكك الحديد حصرا على المحاصيل الزراعية في منطقة الأغوار التي تعتبر المصدر الرئيسي والأساسي للخضار والفاكهة بالنسبة لاستهلاك الأردنيين.
طهبوب سلطت الأضواء على الملف بعدما نقلت «شكاوى أهل المنطقة» تمهيدا لتوجيه «أسئلة دستورية» للحكومة، فيما الحشوش تحولت إلى صدارة تمثيل النشطاء المعنيين بالحفاظ على المزارع في الأغوار وظهر أن لديها القدرة على مناقشة وأحيانا إحراج رؤساء لجان في البرلمان.
أعلنت الحشوش أن «الاستملاكات» في أراضي المواطنين الموروثة أبا عن جد «مرفوضة» والاستثمار الوحيد المنطقي فيها هو «الزراعة»، وطهبوب قدمت تقريرا بالأرقام والبيانات يثبت بأن مشروع السكك الحديد في حال إقامته على الأرض المخصصة والمعلنة حاليا سيمس بالأمن الغذائي الوطني الأردني.
القصر الملكي مؤخرا كان قد وجه الحكومة ورئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان إلى إعداد إستراتيجيات لضمان الأمن الغذائي وأمن الطاقة والبترول والمحروقات.
لم يعرف بعد ما هو موقف الحكومة بعد تلقي التوجيهات الملكية من الحيثيات والبيانات التي عرضتها الدكتورة طهبوب ومعها الحشوش.
عمليا بسبب تطورات النقاش السياسي لمشروع السكك الحديد والقانون المعدل للملكية العقارية يمكن القول إن الفرصة باتت متاحة أمام الحكومة للإجابة على أسئلة عميقة وإستراتيجية عالقة بصرف النظر طبعا عن الجزء السياسي في تبريرات وشروحات ذلك المشروع الذي بدأ يثير جدلا متواصلا وسط الأردنيين عموما.
وكان عضو مجلس النواب أحمد قطاونة قد أشار إلى جانب سياسي آخر في مشروع السكك الحديد واستملاكات الأراضي لم تجب عليه الحكومة وهو المتعلق بسعي الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لإقامة منطقة عازلة في الأغوار.
استند قطاونة هنا إلى مقابلة إذاعية للخبير العسكري البارز محمد المقابلة قال فيها إن الوضع الأمني الإستراتيجي خطر في الأغوار بسبب عدم وجود تجمعات سكانية ديموغرافية، وبسبب وجود فراغ في الأراضي، معتقدا بأن زيادة رقعة الأراضي الخالية من المزارعين بمحاذاة الكيان الإسرائيلي وحدود فلسطين المحتلة يعني التفريغ الديموغرافي، ويشكل خللا يسمح للإسرائيليين بالتفكير بمنطقة عازلة مع الأردن تمثيلا للسيناريو مع لبنان ومع جنوبي سوريا.
تلك أيضا جزئية لا تقدم حكومة الرئيس حسان إجابة رسمية وقاطعة عليها.
منسوب وطبيعة وتكوين الجدل السياسي الذي وصلت إليه نقاشات ملف السكك الحديد واستملاكات الأراضي بات حساسا للغاية.
تتكاثر الآراء والاعتبارات والمداخلات النقدية للحكومة ولتشريعها.
يغيب تماما صوت الحكومة ذاتها ولا تقدم رواية حقيقية وتترك المايكروفون في الدفاع عن القانون لأعضاء في مجلس النواب فقط فيما المطروح مسائل في غاية الأهمية الآن قد يكون أبرزها ملف التفريغ السكاني.
عاد بعض الناقدين إلى نص اتفاقية وادي عربة التي تتحدث عن مشروع مباشر بإقامة سكك حديد يربط الأردن بفلسطين المحتلة، مع أن وزير الخارجية أيمن الصفدي وقبل أكثر من عامين هو الذي وصف علنا اتفاقية وادي عربة بأنها تحولت لورقة يعلوها الغبار ملقاة في متحف، فيما المفاوض الخبير الدكتور دريد المحاسنة أكد عدة مرات ولـ»القدس العربي» مباشرة بأن إسرائيل لم تلتزم بجميع الاتفاقيات والبروتوكولات التي وقعت معها باسم وادي عربة وملحقاتها عام 1934.
الحكومة الأردنية تعود لسبب غامض حتى الآن لتوجهات ومسارات مشاريع اتفاقية وادي عربة الاقتصادية والبنيوية في الوقت الذي تعلن فيه بوضوح بأنها في حالة تناقض شمولية مع حكومة اليمين الإسرائيلي.
